فصل: الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ جرى الصلح بين صمصامة وبين عمه فخر الدولة، فأرسل الخليفة لفخر الدولة خلعاً وتحفاً‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي رجب منها عمل عرس في درب رياح فسقطت الدار على من فيها فهلك أكثر النساء بها، ونبش من تحت الردم فكانت المصيبة عامة‏.‏

 وفيها كانت وفاة‏:‏

 الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسن

ابن أحمد بن الحسين الأزدي الموصلي المصنف في الجرح والتعديل، وقد سمع الحديث من أبي يعلى وطبقته، وضعفه كثير من الحفاظ من أهل زمانه، واتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن بويه، حين قدم عليه بغداد، فساقه يإسناد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير‏)‏‏)‏، فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 345‏)‏

والعجب إن كان هذا صحيحاً كيف راج على أحد ممن له أدنى فهم وعقل‏؟‏

وقد أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وقد قيل‏:‏ إنه توفي سنة تسع وستين‏.‏

وفيها توفي‏:‏

 الخطيب بن نباته الحذاء

في بطن من قضاعة، وقيل‏:‏ إياد الفارقي، خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، ولهذا أكثر ديوانه الخطب الجهادية، ولم يسبق إلى مثل ديوانه هذا، ولا يلحق إلا أن يشاء الله شيئاً، لأنه كان فصيحاً بليغاً ديناً ورعاً‏.‏

روى الشيخ تاج الدين الكندي عنه‏:‏ أنه خطب يوم جمعة بخطبة المنام ثم رأى ليلة السبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال له‏:‏ مرحباً بخطيب الخطباء، ثم أومأ إلى قبور هناك فقال لابن نباتة‏:‏ كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة، أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيجدُّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، فتم الكلام ابن نباتة حتى انتهى إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ‏}‏ وأشار إلى الصحابة الذين مع الرسول ‏{‏وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال‏:‏ أحسنت أحسنت أدنه أدنه، فقبّل وجهه وتفل في فيه، وقال‏:‏ وفقك الله‏.‏

فاستيقظ وبه من السرور أمر كبير، وعلى وجهه بهاء ونور، ولم يعش بعد ذلك إلا سبعة عشر يوماً لم يستطعم بطعام، وكان يوجد منه مثل رائحة المسك حتى مات رحمه الله‏.‏

قال ابن الأزرق الفارقي‏:‏ ولد ابن نباتة في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة‏.‏

حكاه ابن خلكان‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ خلع الخليفة على صمصامة الدولة، وسوره وطوقه وأركب على فرس بسرج ذهب، وبين يديه جنيب مثله‏.‏

وفيها‏:‏ ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة وهما إسحاق وجعفر، دخلا الكوفة في حفل عظيم فانزعجت النفوس بسبب ذلك، وذلك لصرامتهما وشجاعتهما، ولأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهما، وأقطعهما أراضي من أراضي واسط، وكذلك عز الدولة من قبله أيضاً‏.‏

فجهز إليهما صمصامة جيشاً فطردهما عن تلك النواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، وبطل ما كان في نفوس الناس منهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 346‏)‏

وفيها‏:‏ عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكساً على الثياب الابريسميات، فاجتمع الناس بجامع المنصور وأرادوا تعطيل الجمعة وكادت الفتنة تقع بينهم فأعفوا من ذلك‏.‏

وفي ذي الحجة ورد الخبر بموت مؤيد الدولة فجلس صمصامة للعزاء، وجاء إليه الخليفة معزياً له فقام إليه صمصامة وقبّل الأرض بين يديه، وتخاطبا في العزاء بألفاظ حسنة‏.‏

 وفيها توفي الشيخ‏:‏

 أبو علي بن أبي هريرة

واسمه الحسن بن الحسين، وهو أحد المشايخ الشافعية، وله اختيارات كثيرة غريبة في المذهب، وقد ترجمناه في طبقات الشافعية‏.‏

 الحسين بن علي

ابن محمد بن يحيى أبو أحمد النيسابوري المعروف بحسنك، كانت تربيته عند ابن خزيمة وتلميذاً له، وكان يقدمه على أولاده ويقر له ما لا يقر لغيره، وإذا تخلف ابن خزيمة عن مجالس السلطان بعث حسنك مكانه‏.‏

ولما توفي ابن خزيمة كان عمر حسنك ثلاثاً وعشرين سنة، ثم عمّر بعده دهراً طويلاً، وكان من أكثر الناس عبادة وقراءة للقرآن، لا يترك قيام الليل حضراً ولا سفراً، كثير الصدقات والصِّلات، وكان يحكي وضوء ابن خزيمة وصلاته، ولم يكن في الأغنياء أحسن صلاة منه رحمه الله، وصلى عليه الحافظ أبو أحمد النيسابوري‏.‏

 أبو القاسم الداركي

عبد العزيز بن عبد الله بن محمد‏:‏ أبو القاسم الداركي أحد أئمة الشافعية في زمانه، نزل نيسابور ثم سكن بغداد إلى أن مات بها‏.‏

قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني‏:‏ ما رأيت أفقه منه‏.‏

وحكى الخطيب عنه أنه كان يُسأل عن الفتوى فيجيب بعد تفكر طويل، فربما كانت فتواه مخالفة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة فيقال له في ذلك فيقول‏:‏ ويلكم روى فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فالأخذ به أولى من الأخذ بمذهب الشافعي وأبي حنيفة، ومخالفتهما أسهل من مخالفة الحديث‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وله في المذهب وجوه جيدة دالة على متانة علمه، وكان يُتهم بالاعتزال، وكان قد أخذ العلم عن الشيخ أبي إسحاق المروزي، والحديث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركي، وهو أحد مشايخ أبي حامد الأسفراييني، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل الآفاق، وكانت وفاته في شوال، وقيل‏:‏ في ذي القعدة منها، وقد نيف على السبعين رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 347‏)‏

 محمد بن أحمد بن محمد حسنويه

أبو سهل النيسابوري، ويعرف بالحسنوي، كان فقيهاً شافعياً أديباً محدثاً مشتغلاً بنفسه عما لا يعنيه‏.‏

 محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح

أبو بكر الفقيه المالكي، سمع من أبي عمرويه والباغندي وأبي بكر بن أبي داود وغيرهم، وعنه البرقاني، وله تصانيف في شرح مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك، وعرض عليه القضاء فأباه وأشار بأبي بكر الرازي الحنفي، فلم يقبل الآخر أيضاً‏.‏

توفي في شوال منها عن ست وثمانين سنة، رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ في محرمها كثرت الحيات في بغداد فهلك بسبب ذلك خلق كثير‏.‏

ولسبع خلون من ربيع الأول - وكان يوم العشرين من تموز - وقع مطر كثير ببرق ورعد‏.‏

وفي رجب غلت الأسعار جداً وورد الخبر فيه بأنه وقع بالموصل زلزلة عظيمة سقط بسببها عمران كثير، ومات من أهلها أمة عظيمة‏.‏

وفيها‏:‏ وقع بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة فاقتتلا فغلبه شرف الدولة ودخل بغداد فتلقاه الخليفة وهنأه بالسلامة، ثم استدعى شرف الدولة بفراش ليكحل صمصام الدولة فاتفق موته فأكحله بعد موته، وهذا من غريب ما وقع‏.‏

وفي ذي الحجة منها قبل قاضي القضاة أبو محمد ابن معروف شهادة القاضي الحافظ أبي الحسن الدارقطني، وأبي محمد بن عقبة، فذكر أن الدارقطني ندم على ذلك وقال‏:‏ كان يقبل قولي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدي فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع غيري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 348‏)‏

 ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة

في صفرها عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدولة، وجددت البيعة بين الطائع وبين شرف الدولة بن عضد الدولة وكان يوماً مشهوداً، ثم في ربيعها الأول ركب شرف الدولة من داره إلى دار الخليفة وزينت البلد وضربت البوقات والطبول والدبادب، فخلع عليه الخليفة وسوره وأعطاه لواءين معه، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، وكان في جملة من قدم مع شرف الدولة القاضي أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف، فلما رآه الخليفة قال‏:‏

مرحباً بالأحبة القادمينا * أوحَشُونا وطال ما آنَسُونا

فقبّل الأرض بين يدي الخليفة، ولما قضيت البيعة دخل شرف الدولة على أخته امرأة الخليفة فمكث عندها إلى العصر والناس ينتظرونه، ثم خرج وسار إلى داره للتهنئة‏.‏

وفيها‏:‏ اشتد الغلاء جداً ثم لحقه فناء كثير‏.‏

وفيها‏:‏ توفيت أم شرف الدولة - وكانت تركية أم ولد - فجاءه الخليفة فعزاه‏.‏

وفيها‏:‏ ولد لشرف الدولة ابنان توأمان‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أحمد بن الحسين بن علي

أبو حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري، كان حافظاً للحديث مجتهداً في العبادة، متقناً بصيراً بالأثر، فقيهاً حنفياً، درس على أبي الحسين الكرخي وصنف كتباً في الفقه والتاريخ، وولي قضاء القضاة بخراسان، ثم دخل بغداد وقد علت سنه، فحدث الناس وكتب الناس عنه، منهم الدارقطني‏.‏

 إسحاق بن المقتدر بالله

توفي ليلة الجمعة لسبع عشر من ذي الحجة عن ستين سنة، وصلى عليه ابنه القادر بالله وهو إذ ذاك أمير المؤمنين، ودفن في تربة جدته شغب أم المقتدر، وحضر جنازته الأمراء والأعيان من جهة الخليفة وشرف الدولة، وأرسل شرف الدولة من عزى الخليفة فيه، واعتذر من الحضور لوجع حصل له‏.‏

 جعفر بن المكتفي بالله

كان فاضلاً توفي فيها أيضاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 349‏)‏

 أبو علي الفارسي النحوي

صاحب ‏(‏الإيضاح‏)‏ والمصنفات الكثيرة، ولد ببلده ثم دخل بغداد وخدم الملوك وحظي عند عضد الدولة بحيث إن عضد الدولة كان يقول‏:‏ أنا غلام أبي علي في النحو‏.‏

وحصلت له الأموال، وقد اتهمه قوم بالاعتزال وفضّله قوم من أصحابه على المبرِّد، وممن أخذ عنه أبو عثمان بن جني وغيره، توفي فيها عن بضع وتسعين سنة‏.‏

ستيتة

بنت القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، وتكنى أم عبد الواحد، قرأت القرآن وحفظت الفقه والفرائض والحساب والدرر والنحو وغير ذلك، وكانت من أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت تفتي به مع الشيخ أبي علي بن أبي هريرة، وكانت فاضلة في نفسها كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضاً، وكانت وفاتها في رجب عن بضع وتسعين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة

في محرمها كثر الغلاء والفناء ببغداد إلى شعبان كثرت الرياح والعواصف، بحيث هدمت كثيراً من الأبنية، وغرق شيء كثير من السفن، واحتملت بعض الزوارق فألقته بالأرض من ناحية جوخى، وهذا أمر هائل وخطب شامل‏.‏

وفي هذا الوقت لحق أهل البصرة حر شديد بحيث سقط كثير من الناس في الطرقات، وماتوا من شدته‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 الحسن بن علي بن ثابت

أبو عبد الله المقري، ولد أعمى، وكان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يقول وما يمليه كله، وكان ظريفاً حسن الزي، وقد سبق الشاطبي إلى قصيدة عملها في القراءات السبع، وذلك في حياة النقاش، وكانت تعجبه جداً، وكذلك شيوخ ذلك الزمان أذعنوا إليها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 350‏)‏

 الخليل بن أحمد القاضي

شيخ الحنفية في زمانه، كان مقدماً في الفقه والحديث، سمع ابن جرير والبغوي وابن صاعد وغيرهم، ولهذا سمي باسم النحوي المتقدم‏.‏

زياد بن محمد بن زياد بن الهيثم

أبو العباس الخرخاني - بخاءين معجمتين - نسبة إلى قرية من قرى قومس، ولهم الجرجاني بجيمين، وهم جماعة، ولهم الخرجاني بخاء معجمة ثم جيم، وقد حرر هذه المواضع الشيخ ابن الجوزي في ‏(‏منتظمه‏)‏‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ كانت وفاة شرف الدولة بن عضد الدولة بن بويه الديلمي، وكان قد انتقل إلى قصر معز الدولة عن إشارة الأطباء لصحة الهواء، وذلك لشدة ما كان يجده من الداء، فلما كان في جمادى الأولى تزايد به ومات في هذا الشهر، وقد عهد إلى ابنه أبي نصر، وجاء الخليفة في طيارة لتعزيته في والده، فتلقاه أبو نصر والترك بين يديه والديلم، فقبل الأرض بين يدي الخليفة، وكذلك بقية العسكر والخليفة في الطيارة وهم يقبلون الأرض إلى ناحيته‏.‏

وجاء الرئيس أبو الحسين علي بن عبد العزيز من عند الخليفة إلى أبي نصر فبلغه تعزيته له في والده، فقبل الأرض أيضاً ثانية، وعاد الرسول أيضاً إلى الخليفة فبلغه شكر الأمير، ثم عاد من جهة الخليفة لتوديع أبي نصر فقبل الأرض ثالثاً، ورجع الخليفة‏.‏

فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر، ركب الأمير أبو نصر إلى حضرة الخليفة الطائع لله ومعه الأشراف والأعيان والقضاة والأمراء، وجلس الخليفة في الرواق، فلما وصل الأمير أبو نصر خلع عليه الخليفة سبع خلع أعلاهن السواد وعمامة سوداء، وفي عنقه طوق وفي يده سواران، ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فقبل الأرض ثانية ووضع له كرسي فجلس عليه، وقرأ الرئيس أبو الحسن عهده، وقدم إلى الطائع لواء فعقده بيده ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة، ثم خرج من بين يديه والعسكر معه حتى عاد إلى دار المملكة، وأقر الوزير أبا منصور بن صالح على الوزارة، وخلع عليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/351‏)‏

وفيها‏:‏ بنى جامع القطيعة - قطيعة أم جعفر - بالجانب الغربي من بغداد، وكان أصل بناء هذا المسجد أن امرأة رأت في منامها رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في مكانه، ووضع يده في جدار هناك، فلما أصبحت فذكرت ذلك فوجدوا أثر الكف في ذلك الموضع، فبني مسجداً ثم توفيت تلك المرأة في ذلك اليوم‏.‏

ثم إن الشريف أبا أحمد الموسوي جدده وجعله جامعاً، وصلى الناس فيه في هذه السنة‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 شرف الدولة

ابن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه الديلمي، تملك بغداد بعد أبيه، وكان يحب الخير ويبغض الشر، وأمر بترك المصادرات‏.‏

وكان مرضه بالاستسقاء، فتزايد به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة الثاني من جمادى الآخرة عن ثمان وعشرين سنة وخمسة أشهر، وكانت مدة ملكه سنتين وثمانية أشهر، وحمل تابوته إلى تربة أبيه بمشهد علي، وكلهم فيهم تشيع ورفض‏.‏

 محمد بن جعفر بن العباس

أبو جعفر، وأبو بكر النجار، ويلقب‏:‏ غندر أيضاً، روى عن أبي بكر النيسابوري وطبقته، وكان فهماً يفهم القرآن فهماً حسناً، وهو من ثقات الناس‏.‏

 عبد الكريم بن عبد الكريم

ابن بديل أبو الفضل الخزاعي الجرجاني، قدم بغداد وحدث بها‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كانت له عناية بالقراءات وصنف أسانيدها، ثم ذكر أنه كان يخلط ولم يكن مأموناً على ما يرويه، وأنه وضع كتاباً في الحروف ونسبه إلى أبي حنيفة، فكتب الدارقطني وجماعة أن هذا الكتاب موضوع لا أصل له، فافتضح وخرج من بغداد إلى الجبل فاشتهر أمره هناك، وحبطت منزلته، وكان يسمي نفسه أولاً جميلاً، ثم غيره إلى محمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 352‏)‏

 محمد بن المظفر

ابن موسى بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن سلمة بن إياس، أبو الحسين البزار الحافظ، ولد في محرم سنة ثلاثمائة، ورحل إلى بلاد شتى، وروى عن ابن جرير والبغوي وخلق، وروى عنه جماعة من الحفاظ - منهم الدارقطني - شيئاً كثيراً، وكان يعظمه ويجله ولا يستند بحضرته، كان ثقة ثبتاً، وكان قديماً ينتقد على المشايخ، ثم كانت وفاته في هذه السنة ودفن يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى أو الأخرى منها‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة

فيها‏:‏ قلد الشريف أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقابة الأشراف الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحاج، وكتب عهده بذلك واستخلف ولداه المرتضى أبو القاسم والرضي أبو الحسين على النقابة، وخلع عليهما‏.‏

وفيها‏:‏ تفاقم الأمر بالعيارين ببغداد، وصار الناس أحزاباً في كل محلة أمير مقدم، واقتتل الناس وأخذت الأموال واتصلت الكبسات وأحرقت دور كبار، ووقع حريق بالنهار في نهر الدجاج، فاحترق بسببه شيء كثير للناس، والله أعلم‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 يعقوب بن يوسف

أبو الفتوح بن كلس، وزير العزيز صاحب مصر، وكان شهماً فهماً ذا همة وتدبير وكلمة نافذة عند مخدومه، وقد فوض إليه أموره في سائر مملكته، ولما مرض عاد العزيز ووصاه الوزير بأمر مملكته، ولما مات دفنه في قصره وتولى دفنه بيده، وحزن عليه كثيراً، وأغلق الديوان أياماً من شدة حزنه عليه‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة

فيها‏:‏ كان القبض على الخليفة الطائع لله وخلافة القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق ابن المقتدر بالله، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان منها، وذلك أنه جلس الخليفة على عادته في الرواق وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه عن السرير ولفوه في كساء وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 353‏)‏

وتشاغل الناس بالنهب، ولم يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل وأشياء من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان والقضاة والشهود، وجرت كائنة عظيمة جداً، ورجع بهاء الدولة إلى داره وكتب على الطائع كتاباً بالخلع من الخلافة، وأشهد عليه الأشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة وسلمها إلى القادر بالله، ونودي بذلك في الأسواق، وسبقت الديلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك وتطاول الأمر في يوم الجمعة، ولم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قالوا‏:‏ اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله‏.‏

ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والأثاث وغيره إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا وشعثوا أبنيتها، هذا والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه‏.‏

ولما رجع إلى بغداد ما نعته الديلم من الدخول إليها، حتى يعطيهم رسم البيعة وجرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه ودخل بغداد، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين‏.‏

ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوساً عاماً إلى التهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه، وكان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد‏.‏

وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها وهي لسابق البربري‏:‏

سبق القضاء بكل ما هو كائن * والله يا هذا لرزقك ضامن

تعنى بما تكفي وتترك ما به * تعنى كأنك للحوادث آمن

أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها * فاعمل ليوم فراقها يا خائن

واعلم بأنك لا أبا لك في الذي * أصبحت تجمعه لغيرك خازن

يا عامر الدنيا أتعمر منزلاً * لم يبق فيه مع المنية ساكن

الموت شيء أنت تعلم أنه * حق وأنت بذكره متهاون

إن المنية لا تؤامر من أتت * في نفسه يوماً ولا تستأذن

‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 354‏)‏

وفي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة - وهو يوم غدير خم - جرت فتنة بين الروافض والسنة واقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة وحرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اُتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم‏.‏

وفيها‏:‏ ظهر أبو الفتوح الحسين بن جعفر العلوي أمير مكة، وادعى أنه خليفة، وسمى نفسه‏:‏ الراشد بالله، فمالأه أهل مكة وحصل له أموال من رجل أوصى له بها، فانتظم أمره بها، وتقلد سيفاً وزعم أنه ذو الفقار، وأخذ بيده قضيباً زعم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قصد بلاد الرملة ليستعين بعرب الشام، فتلقوه بالرحب وقبلوا له الأرض، وسلموا عليه بأمير المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود‏.‏

ثم إن الحاكم صاحب مصر - وكان قد قام بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السنة - بعث إلى عرب الشام بملطفات ووعدهم من الذهب بألوف ومئات، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميراً وبعث إليه بخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم وتمزق أمر الراشد، وانسحب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها كما خرج عنها، واضمحل حاله وانتقضت حباله، وتفرق عنه رجاله‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أحمد بن الحسين بن مهران

أبو بكر المقري، توفي في شوال منها عن ست وثمانين سنة، واتفق له أنه مات في يوم وفاته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعض الصالحين أحمد بن الحسين بن مهران هذا في المنام فقيل له‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏

فقال‏:‏ أقام أبا الحسن العامري بجانبي، وقال‏:‏ هذا فداؤك من النار‏.‏

 عبد الله بن أحمد بن معروف

أبو محمد قاضي قضاة بغداد، روى عن ابن صاعد وعنه الخلال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات العقلاء الفطناء، حسن الشكل جميل اللبس، عفيفاً عن الأموال، توفي عن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبر عليه خمساً، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبر عليه أربعاً، ثم دفن في داره سامحه الله‏.‏

 جوهر بن عبد الله

القائد باني القاهرة، أصله أرمني، ويعرف‏:‏ بالكاتب، أخذ مصر بعد موت كافور الأخشيدي، أرسله مولاه العزيز الفاطمي إليها في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فوصل إليها في شعبان منها في مائة ألف مقاتل، ومائتي صندوق لينفقه في عمارة القاهرة، فبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شعبان، فشق مصر ونزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين، وخطب يوم الجمعة الآتية لمولاه، وقطع خطبة بني العباس، وذكر في خطبته الأئمة الاثني عشر، وأمر فأذن بحي على خير العمل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 355‏)‏

وكان يظهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل يوم سبت مع الوزير ابن الفرات والقاضي‏.‏

واجتهد في تكميل القاهرة وفرغ من جامعها الأزهر سريعاً، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو الذي يقال له‏:‏ الجامع الأزهر، ثم أرسل جعفر بن فلاح إلى الشام فأخذها، ثم قدم مولاه المعز في سنة اثنتين وستين كما تقدم، فنزل بالقصرين، ولم تزل منزلته عالية عنده إلى أن مات في هذه السنة، وقام مكانه الحسين الذي كان يقال له‏:‏ قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم‏.‏

ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو الذي صنف ‏(‏البلاغ الأكبر والناموس الأعظم‏)‏ الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني رحمه الله‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وثلاثمائة

في عاشر محرمها أمر الوزير أبو الحسن علي بن محمد الكوكبي - ويعرف بابن المعلم - وكان قد استحوذ على السلطان أهل الكرخ وباب الطاق من الرافضة بأن لا يفعلوا شيئاً من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء‏:‏ من تعليق المسوح وتغليق الأسواق والنياحة على الحسين، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك ولله الحمد‏.‏

وقد كان هذا الرجل من أهل السنة إلا أنه كان طماعاً، رسم أن لا يقبل أحداً من الشهود ممن أحدثت عدالته بعد ابن معروف، وكان كثيراً منهم قد بذل أموالاً جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئاً فوقع لهم بالاستمرار‏.‏

ولما كان في جمادى الآخرة سعت الديلم والترك على ابن المعلم هذا وخرجوا بخيامهم إلى باب الشماسية وراسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه مدافعة عظيمة في أيام متعددة، ولم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنقه في حبل ومات ودفن بالمحرم‏.‏

وفي رجب منها سلم الخليفة الطائع الذي خلع إلى الخليفة القادر فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلاقة وأمر أن تجري عليه الأرزاق والتحف والألطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل وملبس وطيب وغيره، ووكل به من يحفظه ويخدمه، وكان يتعنت على القادر في تقلله في المأكل والملبس، فرتب من يحضر له من سائر الأنواع، ولم يزالوا كذلك حتى توفي وهو في السجن‏.‏

وفي شوال منها ولد للخليفة القادر ولد ذكر، وهو أبو الفضل محمد بن القادر بالله، وقد ولاه العهد من بعده وسماه الغالب بالله، فلم يتم له الأمر‏.‏

وفي هذا الوقت غلت الأسعار ببغداد حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهماً، والجزر بدرهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 356‏)‏

وفي ذي القعدة قام صاحب الصفراء الأعرابي والتزم بحراسة الحجاج في ذهابهم وإيابهم، وأن يخطب للقادر من اليمامة والبحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، وأطلقت له الخلع والأموال والأواني وغيرها‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 محمد بن العباس

ابن محمد بن محمد بن زكريا بن يحيى بن معاذ أبو عمر الخزاز المعروف بابن حيوة، سمع البغوي والباغندي وابن صاعد وخلقاً كثيراً، وانتقد عليه الدارقطني وسمع منه الأعيان، وكان ثقة ديناً متيقظاً ذا مروءة، وكتب من الكتب الكبار كثيراً بيده، وكانت وفاته في ربيع الآخر منها وقد قارب التسعين‏.‏

 أبو أحمد العسكري

الحسن بن عبد الله بن سعيد أحد الأئمة في اللغة والأدب والنحو والنوادر، وله في ذلك تصانيف مفيدة، منها ‏(‏التصحيف‏)‏ وغيره، وكان الصاحب بن عباد يودّ الاجتماع به فسافر إلى عسكر خلفه حتى اجتمع به فأكرمه وراسله بالأشعار‏.‏

توفي فيها وله تسعون سنة‏.‏

كذا ذكره ابن خلكان‏.‏

وذكره ابن الجوزي فيمن توفي في سنة سبع وثمانين كما سيأتي‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة

فيها‏:‏ أمر القادر بالله بعمارة مسجد الحربية وكسوته، وأن يجري مجرى الجوامع في الخطب وغيرهما، وذلك بعد أن استفتى العلماء في جواز ذلك‏.‏

قال الخطيب البغدادي‏:‏ أدركت الجمعة تقام ببغداد في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر، ومسجد الحربية‏.‏

قال‏:‏ ولم يزل الأمر على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فتعطلت في مسجد براثا‏.‏

وفي جمادى الأولى فرغ من الجسر الذي بناه بهاء الدولة في مشرعة القطانين، واجتاز عليه هو بنفسه، وقد زين المكان‏.‏

وفي جمادى الآخرة شعثت الديالم والأتراك في نواحي البلد لتأخر العطاء عنهم، وغلت الأسعار وراسلوا بهاء الدولة فأزيحت عللهم‏.‏

وفي يوم الخميس الثاني من ذي القعدة تزوج الخليفة سكينة بنت بهاء الدولة على صداق مائة ألف دينار، وكان وكيل بهاء الدولة الشريف أبو أحمد الموسوي، ثم توفيت هذه المرأة قبل دخول الخليفة بها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 357‏)‏

وفيها‏:‏ ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير داراً بالكرخ وجدد عمارتها، ونقل إليها كتباً كثيرة، ووقفها على الفقهاء وسماها دار العلم‏.‏

وأظن أن هذه أول مدرسة وقفت على الفقهاء، وكانت قبل النظامية بمدة طويلة‏.‏

وفيها‏:‏ في أواخرها ارتفعت الأسعار وضاق الحال وجاع العيال‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن إبراهيم بن

الحسن بن شاذان بن حرب بن مهران، أبو بكر البزار، سمع الكثير من البغوي وابن صاعد وابن أبي داود وابن دريد، وعنه الدارقطني والبرقاني والأزهري وغيرهم، وكان ثبتاً صحيح السماع، كثير الحديث، متحرياً ورعاً‏.‏

توفي عن خمس وثمانين سنة، رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة

فيها‏:‏ عظم الخطب بأمر العيارين، عاثوا ببغداد فساداً وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلاً ونهاراً، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشرط فلم يفد ذلك شيئاً ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال، وقتل الرجال، وإرعاب النساء والأطفال في سائر المحال‏.‏

فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم، فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم‏.‏

وأظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم والله أعلم‏.‏

وفي ذي القعدة عزل الشريف الموسوي وولداه عن نقابة الطالبيين‏.‏

وفيها‏:‏ رجع ركب العراق من أثناء الطريق بعد ما فاتهم الحج، وذلك أن الأصيفر الأعرابي الذي كان قد تكفل بحراستهم اعترض لهم في الطريق، وذكر لهم أن الدنانير التي أقطعت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، وأنه يريد من الحجيج بدلها وإلا لا يدعهم يتجاوزوا هذا المكان، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن السير حتى ضاق الوقت ولم يبق فيه ما يدركوا فيه الحج فرجعوا إلى بلادهم‏.‏

ولم يحج منهم أحد، وكذلك ركب الشام وأهل اليمن لم يحج منهم أحد، وإنما حج أهل مصر والمغرب خاصة‏.‏

وفي يوم عرفة قلد الشريف أبو الحسين الزينبي محمد بن علي بن أبي تمام الزينبي نقابة العباسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القضاة والأعيان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 358‏)‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

الصابئي الكاتب المشهور، صاحب التصانيف، وهو‏:‏

 إبراهيم بن هلال

ابن إبراهيم بن زهرون بن حبون أبو إسحاق الحراني، كاتب الرسائل للخليفة ولمعز الدولة بن بويه، كان على دين الصابئة إلى أن مات عليه، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن من حفظه، وكان يحفظه حفظاً حسناً، ويستعمل منه في الرسائل، وكانوا يحرضون عليه أن يسلم فلم يفعل‏.‏

وله شعر جيد قوي، توفي في شوال منها وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشريف الرضي وقال‏:‏ إنما رثيت فضائله، وليس له فضائل ولا هو أهل لها ولا كرامة‏.‏

 عبد الله بن محمد

ابن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، ورث من آبائه أموالاً كثيرة فأنفقها كلها في وجوه الخير والقرب، وكان كثير العبادة، يقال‏:‏ إنه مكث سبعين سنة لم يستند إلى حائط ولا إلى شيء، ولا اتكأ على وسادة‏.‏

وحج من نيسابور ماشياً حافياً، ودخل الشام وأقام ببيت المقدس شهوراً، ثم دخل مصر وبلاد المغرب، وحج من هناك ثم رجع إلى بلاده بست، وكان له بها بقية أموال وأملاك فتصدق بها كلها‏.‏

ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجع، فقيل له في ذلك فقال‏:‏ أرى بين يدي أموراً هائلة، ولا أدري كيف أنجو منها‏.‏

توفي في المحرم من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأة أمها بعد موتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت‏:‏ يا أمه ما هذه الزينة‏؟‏

فقالت‏:‏ نحن في عيد لأجل قدوم عبيد الله بن محمد الزاهد البستي علينا، رحمه الله تعالى‏.‏

 علي بن عيسى بن عبيد الله

أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، روى عن ابن دريد، وكانت له يد طولى في النحو واللغة والمنطق والكلام، وله تفسير كبير وشهد عند ابن معروف فقبله، وروى عنه التنوخي والجوهري‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ والرماني نسبة إلى بيع الرمان أو إلى قصر الرمان بواسط‏.‏

توفي عن ثمان وثمانين سنة، ودفن في الشونيزية عند قبر أبي علي الفارسي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 359‏)‏

 محمد بن العباس بن أحمد بن القزاز

أبو الحسن الكاتب المحدث الثقة المأمون‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كان ثقة، كتب الكثير وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته، بلغني أنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ، وخلف ثمانية عشر صندوقاً مملوءة كتباً أكثرها بخطه سوى ما سرق له، وكان حفظه في غاية الصحة، ومع هذا كان له جارية تعارض معه - أي‏:‏ تقابل ما يكتبه - رحمه الله تعالى‏.‏

 محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله

أبو عبد الله الكاتب المعروف بابن المرزبان، روى عن البغوي وابن دريد وغيرهما، وكان صاحب اختيار وآداب، وصنف كتباً كثيرة في فنون مستحسنة، وهو مصنف كتاب ‏(‏تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب‏)‏، وكان مشايخه وغيرهم يحضرون عنده ويبيتون في داره على فرش وأطعمة وغير ذلك‏.‏

وكان عضد الدولة إذا اجتاز بداره لا يجوز حتى يسلم عليه، وكان يقف حتى يخرج إليه، وكان أبو علي الفارسي يقول عنه‏:‏ هو من محاسن الدنيا‏.‏

وقال العقيقي‏:‏ كان ثقة‏.‏

وقال الأزهري‏:‏ ما كان ثقة‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ ما كان من الكذابين، وإنما كان فيه تشيع واعتزال، ويخلط السماع بالإجازة، وبلغ الثمانين سنة رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة

فيها‏:‏ استوزر ابن ركن الدولة بن بويه أبا العباس أحمد بن إبراهيم الضبي، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصاحب إسماعيل بن عباد، وكان من مشاهير الوزراء‏.‏

وفيها‏:‏ قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموال جزيلة، فكان من جملة ما بيع له في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب معدني، ولم يحج في هذه السنة وما قبلها وما بعدها، ركب العراق والخطبة في الحرمين للفاطميين‏.‏

 وممن توفي من الأعيان‏:‏

 الصاحب بن عباد

وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني، أبو القاسم الوزير المشهور بكافي الكفاة، وزر لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وقد كان من العلم والفضيلة والبراعة والكرم والإحسان إلى العلماء والفقراء على جانب عظيم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 360‏)‏

كان يبعث في كل سنة إلى بغداد بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم، وله اليد الطولى في الأدب، وله مصنفات في فنون العلم، واقتنى كتباً كثيرة، وكانت تحمل على أربعمائة بعير، ولم يكن في وزراء بني بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مائة وعشرين سنة وأشهراً، وفتح خمسين قلعة لمخدوميه مؤيد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وحسن تدبيره وجودة رأيه، وكان يحب العلوم الشرعية، ويبغض الفلسفة وما شابهها من علم الكلام والآراء البدعية، وقد مرض مرة بالإسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون لو طالت علته، ولما عوفي أباح للفقراء نهب داره، وكان فيها ما يساوي نحواً من خمسين ألف دينار من الذهب‏.‏

وقد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الإسناد، وعقد له في وقت مجلس للإملاء فاحتفل الناس لحضوره، وحضره وجوه الأمراء، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السلطان، وذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه وجده مما ورثه منهم، ولكن كان يخالط السلطان وهو تائب مما يمارسونه، واتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته، وحين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمداني وأضرابه من رؤوس الفضلاء وسادات الفقهاء والمحدثين‏.‏

وقد بعث إليه قاضي قزوين بهدية كتب سنية، وكتب معها‏:‏

العميدي عبد كافي الكفاة وأنه * أعقل في وجوه القضاة

خدم المجلس الرفيع، بكتب * منعمات، من حسنها مترعات

فلما وصلت إليه أخذ منها كتاباً واحداً، ورد باقيها وكتب تحت البيتين‏:‏

قد قبلنا من الجميع كتاباً * ورددنا لوقتها الباقيات

لست أستغنم الكثير وطبعي * قول‏:‏ خذ ليس مذهبي قول هات

وجلس مرة في مجلس شراب فناوله الساقي كأساً، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه‏:‏ إن هذا الذي في يدك مسموم‏.‏

قال‏:‏ وما الشاهد على صحة قولك‏؟‏

قال‏:‏ تجربه‏.‏

قال‏:‏ فيمن‏؟‏

قال‏:‏ في الساقي‏.‏

قال‏:‏ ويحك لا أستحل ذلك‏.‏

قال‏:‏ ففي دجاجة‏.‏

قال‏:‏ إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، ثم أمر بصب ما في ذلك القدح وقال للساقي‏:‏ لا تدخل بعد اليوم داري، ولم يقطع عنه معلومه‏.‏

وقد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت وباشرها عوضه، واستمر فيها مدة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 361‏)‏

فبينما هو ذات ليلة قد اجتمع عنده أصحابه وهو في أتم السرور، قد هيئ له في مجلس حافل بأنواع اللذات، وقد نظم أبياتاً والمغنون يغنونه بها وهو في غاية الطرب والسرور والفرح، وهي هذه الأبيات‏:‏

دعوت الهنا ودعوت العلا * فلما أجابا دعوت القدح

وقلت لأيام شرخ الشبا * ب إليّ‏.‏ فهذا أوان الفرح

إذا بلغ المرء آماله * فليس له بعدها منتزح

ثم قال لأصحابه‏:‏ باكروني غداً إلى الصبوح، ونهض إلى بيت منامه فما أصبح حتى قبض عليه مؤيد الدولة وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مثلة في العباد، وأعاد إلى وزارته ابن عباد‏.‏

وقد ذكر ابن الجوزي‏:‏ أن ابن عباد هذا حين حضرته الوفاة جاءه الملك فخر الدولة بن مؤيد الدولة يعوده ليوصيه في أموره فقال له‏:‏ إني موصيك أن تستمر في الأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيرتها وسلكت غيرها نسب الخير المتقدم إليَّ لا إليك، وأنا أحب أن تكون نسبة الخير إليك وإن كنت أنا المشير بها عليك‏.‏

فأعجبه ذلك منه واستمر بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لست بقين من صفر منها‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وهو أول من تسمى من الوزراء بالصاحب، ثم استعمل بعده منهم، وإنما سمي بذلك لكثرة صحبته الوزير أبا الفضل بن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته‏.‏

وقال الصابئ في كتابه ‏(‏الناجي‏)‏‏:‏ إنما سماه الصاحب مؤيد الدولة لأنه كان صاحبه من الصغر، وكان إذ ذاك يسميه الصاحب، فلما ملك واستوزره سماه به واستمر فاشتهر به، وسمي به الوزراء بعده، ثم ذكر ابن خلكان قطعة صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدد له مصنفات كثيرة، منها كتابه ‏(‏المحيط في اللغة‏)‏ في سبع مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة وأورد من شعره أشياء منها في الخمر‏:‏

رق الزجاج وراقت الخمر * وتشابها فتشاكل الأمر

فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر

قال ابن خلكان‏:‏ توفي بالري في هذه السنة وله نحو ستين سنة، ونقل إلى أصبهان، رحمه الله‏.‏

 الحسن بن حامد

أبو محمد الأديب، كان شاعراً متجولاً كثير المكارم، روى عن علي بن محمد بن سعيد الموصلي، وعنه الصوري، وكان صدوقاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 362‏)‏

وهو الذي أنزل المتنبي داره حين قدم بغداد وأحسن إليه حتى قال له المتنبي‏:‏ لو كنت مادحاً تاجراً لمدحتك‏.‏

وقد كان أبو محمد هذا شاعراً ماهراً، فمن شعره الجيد قوله‏:‏

شربت المعالي غير منتظر بها * كساداً ولا سوقاً يقام لها أحرى

وما أنا من أهل المكاسب كلما * توفرت الأثمان كنت لها أشرى

 ابن شاهين الواعظ

عمر بن أحمد بن عثمان بن محمد بن أيوب بن زذان، أبو حفص المشهور، سمع الكثير وحدث عن الباغندي وأبي بكر بن أبي داود والبغوي، وابن صاعد، وخلق‏.‏

وكان ثقة أميناً، يسكن الجانب الشرقي من بغداد، وكانت له المصنفات العديدة‏.‏

ذكر عنه أنه صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفاً منها ‏(‏التفسير‏)‏ في ألف جزء، و‏(‏المسند‏)‏ في ألف وخمسمائة جزء، و‏(‏التاريخ‏)‏ في مائة وخمسين جزءاً، و‏(‏الزهد‏)‏ في مائة جزء‏.‏

توفي في ذي الحجة منها وقد قارب التسعين رحمه الله‏.‏

 الحافظ الدارقطني

علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير، وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التام في الدراية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله و لا يلحق في شكله إلا من استمد من بحره وعمل كعمله، وله كتاب ‏(‏العلل‏)‏ بيّن فيه الصواب من الدخل والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل، وكتاب ‏(‏الأفراد‏)‏ الذي لا يفهمه، فضلاً عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الأفراد، والأئمة النقاد، والجهابذة الجياد، وله غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد‏.‏

وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث، والدارقطني ينسخ في جزء حديث‏.‏

فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس‏:‏ إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ‏.‏

فقال الدارقطني‏:‏ فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل‏:‏ أتحفظ كم أملى حديثاً‏؟‏

فقال‏:‏ إنه أملى ثمانية عشر حديثاً إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً، فتعجب الناس منه‏.‏

وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري‏:‏ لم ير الدارقطني مثل نفسه‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الإمامة والعدالة، وصحة العقيدة‏.‏

وقد كانت وفاته في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة منها، وله من العمر سبع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 363‏)‏

قال ابن خلكان‏:‏ وقد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خُنزابة وزير كافور الأخشيدي، وساعده هو والحافظ عبد الغني على إكمال مسنده، وحصل للدارقطني منه مال جزيل‏.‏

قال‏:‏ والدارقطني نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد‏.‏

وقال عبد الغني بن سعيد الضرير‏:‏ لم يتكلم على الأحاديث مثل علي بن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدارقطني في زمانه‏.‏

وسئل الدارقطني‏:‏ هل رأى مثل نفسه‏؟‏

قال‏:‏ أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل مني، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا‏.‏

وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبي نصر هبة الله بن ماكولا قال‏:‏ رأيت في المنام كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدارقطني وما آل أمره إليه في الآخرة، فقيل لي‏:‏ ذاك يدعى في الجنة الإمام‏.‏

 عباد بن عباس بن عباد

أبو الحسن الطالقاني، والد الوزير إسماعيل بن عباد المتقدم ذكره، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرازيين وغيرهم، وحدث عنه ابنه الوزير أبو الفضل القاسم، وأبو بكر بن مردويه، ولعباد هذا كتاب في أحكام القرآن، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة، رحمهما الله‏.‏

 عقيل بن محمد بن عبد الواحد

أبو الحسن الأحنف العكبري الشاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره ابن الجوزي في ‏(‏منتظمه‏)‏ قوله‏:‏

أقضى علي من الأجل * عذل العذول إذا عذل

وأشد من عذل العذو * ل صدود إلف قد وصل

وأشد من هذا وذا * طلب النوال من السفل

وقوله‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 364‏)‏

من أراد العز والرا * حة من هم طويل

فليكن فرداً في النا * س ويرضى بالقليل

ويرى أن سيري * كافياً عما قليل

ويرى بالحزم أن الحز * م في ترك الفضول

ويداوي مرض الوحـ * ـدة بالصبر الجميل

لا يمارى أحداً ما * عاش في قال وقيل

يلزم الصمت فإن الصمـ * ـت تهذيب العقول

يذر الكبر لأهل الكبـ * ـر ويرضى بالخمول

أي عيش لامرئ * يصبح في حال ذليل

بين قصد من عدو * ومداراة جهول

واعتلال من صديـ * ـق وتجنى من ملول

واحتراس من ظنون السو * ء مع عذل العذول

ومقاسات بغيض ومداناة ثقيل * أف من معرفة الناس على كل سبيل

وتمام الأمر لا يعـ * ـرف سمحاً من بخيل

فإذا أكمل هذا كا * ن في ظل ظليل

 محمد بن عبد الله بن سكرة

أبو الحسن الهاشمي، من ولد علي بن المهدي، كان شاعراً خليعاً ظريفاً، وكان ينوب في نقابة الهاشميين، فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جمل، فقال‏:‏ هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا يعود الحال خدعة‏.‏

ومن مستجاد شعره ولطيف قوله‏:‏

في وجه إنسانة كلفت بها * أربعة ما اجتمعن في أحد

الوجه بدر والصدغ غالية * والريق خمر والثغر من برد

وله قوله وقد دخل حماماً فسرق نعليه فعاد إلى منزله حافياً فقال‏:‏

إليك أذم حمام ابن موسى * وإن فاق المنى طيباً وحرا

تكاثرت اللصوص عليه حتى * ليحفى من يطيف به ويعرى

ولم أفقد به ثوباً ولكن * دخلت محمداً وخرجت بشرا

‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 365‏)‏

 يوسف بن عمر بن مسرور

أبو الفتح القواس، سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال والعشاري والبغدادي والتنوخي وغيرهم، وكان ثقة ثبتاً، يعد من الأبدال‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ كنا نتبرك به وهو صغير‏.‏

توفي لثلاث بقين من ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب‏.‏

 يوسف بن أبي سعيد

السيرافي أبو محمد النحوي، وهو الذي تمم شرح أبيه لكتاب سيبويه، وكان يرجع إلى علم ودين، وكانت وفاته في ربيع الأول منها عن خمس وخمسين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة

في محرمها كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه واتخذوا عند قبره مسجداً، ووقف عليه أوقاف كثيرة، وجعل عنده خدام وقوام وفرش وتنوير‏.‏

وفيها‏:‏ ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشر سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمارة، فلما تمكن الحاكم قتلهما وأقام غيرهما، ثم قتل خلقاً حتى استقام له الأمر على ما سنذكره‏.‏

وحج بالناس الأمير الذي من جهة المصريين والخطبة لهم‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن إبراهيم

ابن محمد بن يحيى بن سحنويه أو حامد بن إسحاق بن المزكي النيسابوري، سمع الأصم وطبقته، وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام في عمره سرداً تسعاً وعشرين سنة‏.‏

وقال الحاكم‏:‏ وعندي أن الملائكة لم تكتب عليه خطيئة، توفي في شعبان منها عن ثلاث وستين سنة‏.‏

 أبو طالب المكي

صاحب ‏(‏قوت القلوب‏)‏، محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي الواعظ المذكر، الزاهد المتعبد، الرجل الصالح، سمع الحديث وروى عن غير واحد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 366‏)‏

قال العتيقي‏:‏ كان رجلاً صالحاً مجتهداً في العبادة، وصنف كتاباً سماه ‏(‏قوت القلوب‏)‏، وذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ الناس في جامع بغداد، وحكى ابن الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد له مجلس الوعظ بها، فغلط في كلام وحفظ عنه أنه قال‏:‏ ليس على المخلوقين أضر من الخالق‏.‏

فبدعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس‏.‏

وقد كان أبو طالب هذا يبيح السماع، فدعا عليه عبد الصمد بن علي ودخل عليه فعاتبه على ذلك، فأنشد أبو طالب‏:‏

فيا ليل كم فيك من متعب * ويا صبح ليتك لم تقرب

فخرج عبد الصمد مغضباً‏.‏

وقال أبو القاسم بن سرات‏:‏ دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت فقلت له‏:‏ أوص‏.‏

فقال‏:‏ إذا ختم لي بخير فانثر على جنازتي لوزاً وسكراً‏.‏

فقلت‏:‏ كيف أعلم بذلك‏؟‏

فقال‏:‏ اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضت على يدك فاعلم أنه قد ختم لي بخير‏.‏

قال‏:‏ ففعلت، فلما حان فراقه قبض على يدي قبضاً شديداً، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسكر على نعشه‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ توفي في جمادى الآخرة منها، وقبره ظاهر في جامع الرصافة‏.‏

 العزيز صاحب مصر

نزار بن المعز معد أبي تميم، ويكنى نزار بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن اثنين وأربعين سنة منها، وكانت ولايته بعد أبيه إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر وعشر أيام، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم قبحه الله‏.‏

والحاكم هذا هو الذي ينسب إليه الفرقة الضالة المضلة الزنادقة الحاكمية، واليه ينسب أهل وادي التيم من الدرزية أتباع هستكر غلام الحاكم الذي بعثه إليهم يدعوهم إلى الكفر المحض فأجابوه، لعنه الله وإياهم أجمعين‏.‏

أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلاً نصرانياً يقال له‏:‏ عيسى بن نسطورس، وآخر يهودياً اسمه‏:‏ ميشا، فعزّ بسببهما أهل هذين الملتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأة قصة في حاجة لها تقول فيها‏:‏ بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذل المسلمين بهما لما كشفت ظلامتي‏.‏

فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الرجلين وأخذ من النصارى ثلاثمائة ألف دينار‏.‏

وفيها‏:‏ توفيت بنت عضد الدولة امرأة الطائع، فحملت تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جوهر كثير والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 367‏)‏

 ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة

فيها‏:‏ توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وأقيم ولده رستم في الملك مكانه، وكان عمره أربع سنين، وقام خواص أبيه بتدبير الملك في الرعايا‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أبو أحمد العسكري اللغوي‏.‏

الحسن بن عبد الله

ابن سعيد بن أحمد العسكري اللغوي، العلامة في فنه وتصانيفه، المفيد في اللغة وغيرها‏.‏

يقال‏:‏ إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قدم الصاحب بن عباد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري - وكان قد كبر وأسن - بعث إليه الصاحب رقعة فيها هذه الأبيات‏:‏

ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم * ضعفنا فما نقوى على الوحدان

أتيناكم من بعد أرض نزوركم * فكم من منزل بكر لنا عوان

نناشدكم هل من قرى لنزيلكم * بطول جوار لا يمل جفان

تضمنت بنت ابن الرشيد كأنما * تعمد تشبيهي به وعناني

أهم بأمر الحزم لا أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان

ثم ركب بغلته تحاملاً وصار إلى الصاحب فوجده مشغولاً في خيمته بأبهة الوزارة، فصعد أكمة ثم نادى بأعلى صوته‏:‏

ما لي أرى القبة الفيحاء مقفلة * دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها

كأنها جنة الفردوس معرضة * وليس لي عمل زاك فأدخلها

فلما سمع الصاحب صوته ناداه‏:‏ أدخلها يا أبا أحمد فلك السابقة الأولى‏.‏

فلما صار إليه أحسن إليه، توفي في يوم التروية منها‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاثة وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 368‏)‏

 عبد الله بن محمد بن عبد الله

ابن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد بن مهران، أبو القاسم الشاعر المعروف بابن الثلاج، لأن جده أهدى لبعض الخلفاء ثلجاً، فوقع منه موقعاً، فعرف عند الخليفة بالثلاج، وقد سمع أبو القاسم هذا من البغوي وابن صاعد وأبي داود، وحدث عن التنوخي والأزهري والعقيقي وغيرهم من الحفاظ‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وقد اتهمه المحدثون منهم الدارقطني ونسبوه إلى أنه كان يركب الإسناد ويضع الحديث على الرجال‏.‏

توفي في ربيع الأول فجأة‏.‏

 ابن زولاق

الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خلد بن راشد بن عبيد الله بن سليمان بن زولاق، أبو محمد المصري الحافظ، صنف كتاباً في قضاة مصر ذيل به كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، إلى سنة ست وأربعين ومائتين، وذيل ابن زولاق من القاضي بكار إلى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وهي أيام محمد بن النعمان قاضي الفاطميين، الذي صنف ‏(‏البلاغ‏)‏ الذي انتصب فيه للرد على القاضي الباقلاني، وهو أخو عبد العزيز بن النعمان والله أعلم‏.‏

وكانت وفاته في أواخر ذي القعدة من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة‏.‏

 ابن بطة عبيد الله بن محمد

ابن حمران، أبو عبد الله العكبري، المعروف بابن بطة، أحد علماء الحنابلة، وله التصانيف الكثيرة الحافلة في فنون من العلوم، سمع الحديث من البغوي وأبي بكر النيسابوري وابن صاعد وخلق في أقاليم متعددة، وعنه جماعة من الحفاظ، منهم أبو الفتح بن أبي الفوارس، والأزجي والبرمكي، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة‏.‏

وكان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رأى بعضهم رسول الله، فقال‏:‏ يا رسول الله قد اختلفت عليّ المذاهب‏.‏

فقال‏:‏ عليك بأبي عبد الله بن بطة‏.‏

فلما أصبح ذهب إليه ليبشره بالمنام فحين رآه بن بطة تبسم إليه وقال له - قبل أن يخاطبه - صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات‏.‏

وقد تصدى الخطيب البغدادي للكلام في ابن بطة والطعن عليه، وفيه بسبب بعض الجرح في ابن بطة الذي أسنده إلى شيخه عبد الواحد بن علي الأسدي المعروف بابن برهان اللغوي، فانتدب ابن الجوزي للرد على الخطيب والطعن عليه أيضاً بسبب بعض مشايخه والانتصار لابن بطة، فحكى عن أبي الوفا بن عقيل أن ابن برهان كان يرى مذهب مرجئة المعتزلة، في أن الكفار لا يخلدون في النار، وإنما قالوا ذلك لأن دوام ذلك إنما هو التشفي ولا معنى له هنا مع أنه قد وصف بأنه غفور رحيم، وأنه أرحم الراحمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 369‏)‏

ثم شرع ابن عقيل يرد على ابن برهان‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ فكيف يقبل الجرح من مثل هذا ‏!‏‏؟‏‏.‏

ثم روى ابن الجوزي بسنده عن ابن بطة أنه سمع المعجم من البغوي، قال‏:‏ والمثبت مقدم على النافي‏.‏

قال الخطيب‏:‏ وحدثني عبد الواحد بن برهان قال‏:‏ ثنا محمد بن أبي الفوارس روى عن ابن بطة، عن البغوي، عن أبي مصعب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏طلب العلم فريضة على كل مسلم‏)‏‏)‏‏.‏

قال الخطيب‏:‏ وهذا باطل من حديث مالك، والحمل فيه على ابن بطة‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ والجواب عن هذا من وجهين‏:‏

أحدهما أنه وجد بخط ابن برهان‏:‏ ما حكاه الخطيب في القدح في ابن بطة وهو شيخي أخذت عنه العلم في البداية‏.‏

الثاني‏:‏ أن ابن برهان قد تقدم القدح فيه بما خالف فيه الإجماع، فكيف قبلت القول في رجل قد حكيت عن مشايخ العلماء أنه رجل صالح مجاب الدعوة، نعوذ بالله من الهوى‏.‏

 علي بن عبد العزيز بن مدرك

أبو الحسن البردعي، روى عن أبي حاتم وغيره، وكان كثير المال فترك الدنيا وأقبل على الآخرة، فاعتكف في المسجد، وكان كثير الصلاة والعبادة‏.‏

 فخر الدولة بن بويه

علي بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه الديلمي، ملك بلاد الري ونواحيها، وحين مات أخوه مؤيد الدولة كتب إليه الوزير ابن عباد بالإسراع إليه فولاه الملك بعده، واستوزر ابن عباد على ما كان عليه‏.‏

توفي عن ست وأربعين سنة، منها مدة ملكه ثلاث عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يوماً، وترك من الأموال شيئاً كثيراً، من الذهب ما يقارب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الجواهر نحواً من خمسة عشر ألف قطعة، يقارب قيمتها ثلاث آلاف ألف دينار ذهباً‏.‏

وغير ذلك من أواني الذهب زنته ألف ألف دينار، ومن الفضة زنته ثلاثة آلاف ألف درهم، كلها آنية، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل، وخزانة السلاح ألف حمل، ومن الفرش ألف وخمسمائة حمل، ومن الأمتعة مما يليق بالملوك شيئاً كثيراً لا يحصر، ومع هذا لم يصلوا ليلة موته إلى شيء من المال، ولم يحصل له كفن إلا ثوب من المجاورين في المسجد، واشتغلوا عنه بالملك حتى تم لولده رستم من بعده، فأنتن الملك ولم يتمكن أحد من الوصول إليه فربطوه في حبال وجروه على درج القلعة من نتن ريحه، فتقطع جزاء وفاقاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 370‏)‏

 ابن سمعون الواعظ

محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو الحسين بن سمعون الواعظ، أحد الصلحاء والعلماء، كان يقال له‏:‏ الناطق بالحكمة، روى عن أبي بكر بن داود وطبقته، وكان له يد طولى في الوعظ والتدقيق في المعاملات، وكانت له كرامات ومكاشفات، كان يوماً يعظ على المنبر وتحته أبو الفتح بن القواس، وكان من الصالحين المشهورين، فنعس ابن القواس فأمسك ابن سمعون عن الوعظ حتى استيقظ، فحين استيقظ قال ابن سمعون‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامك هذا‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فلهذا أمسكت عن الوعظ حتى لا أزعجك عما كنت فيه‏.‏

وكان لرجل ابنة مريضة مدنفة فرأى أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له‏:‏ اذهب إلى ابن سمعون ليأتي منزلك فيدعو لابنتك تبرأ بإذن الله‏.‏

فلما أصبح ذهب إليه فلما رآه نهض ولبس ثيابه وخرج مع الرجل، فظن الرجل أنه يذهب إلى مجلس وعظه، فقال في نفسه‏:‏ أقول له في أثناء الطريق‏.‏

فلما مر بدار الرجل دخل إليها فأحضر إليه ابنته فدعا لها وانصرف‏.‏

فبرأت من ساعتها، وبعث إليه الخليفة الطائع لله من أحضره إليه وهو مغضب عليه، فخيف على ابن سمعون منه، فلما جلس بين يديه أخذ في الوعظ، وكان أكثر ما أورده من كلام علي بن أبي طالب، فبكى الخليفة حتى سمع نشيجه، ثم خرج من بين يديه وهو مكرم، فقيل للخليفة‏:‏ رأيناك طلبته وأن غضبان‏.‏

فقال‏:‏ بلغني أنه ينتقص علياً فأردت أن أعاقبه، فلما حضر أكثر من ذكر علي فعلمت أنه موفق، فذكرني وشفى ما كان في خاطري عليه‏.‏

ورأى بعضهم في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جانبه عيسى بن مريم عليه السلام، وهو يقول‏:‏ أليس من أمتي الأحبار، أليس من أمتي أصحاب الصوامع‏.‏

فبينما هو يقول ذلك إذ دخل ابن سمعون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيسى‏:‏ أفي أمتك مثل هذا‏؟‏

فسكت عيسى‏.‏

ولد ابن سمعون في سنة ثلاثمائة، وتوفي يوم الخميس الرابع عشر من ذي القعدة في هذه السنة، ودفن بداره‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ ثم أخرج بعد سنتين إلى مقبرة أحمد بن حنبل وأكفانه لم تبل رحمه الله‏.‏

آخر ملوك السامانية نوح بن منصور

ابن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل، أبو القاسم الساماني، ملك خراسان وغزنة وما وراء النهر، ولي الملك وعمره ثلاث عشرة سنة، واستمر في الملك إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر، ثم قبض عليه خواصه وأجلسوا مكانه أخاه عبد الملك، فقصدهم محمود بن سبكتيكن فانتزع الملك من أيدهم، وقد كان لهم الملك مائة وستين سنة، فباد ملكهم في هذا العام، ولله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏

 أبو الطيب سهل بن محمد

ابن سليمان بن محمد بن سليمان الصعلوكي الفقيه الشافعي، إمام أهل نيسابور، وشيخ تلك الناحية، كان يحضر مجلسه خمسمائة محبرة، وكانت وفاته في هذه السنة على المشهور‏.‏

وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في ‏(‏الإرشاد‏)‏‏:‏ مات في سنة ستين وأربعمائة فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 371‏)‏

 ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ في ذي الحجة منها سقط في بغداد برد عظيم، بحيث جمد الماء في الحمامات، وبول الدواب في الطرقات‏.‏

وفيها‏:‏ جاءت رسل أبي طالب بن فخر الدولة في البيعة له، فبايعه الخليفة وأمّره على بلاد الري ولقبه مجد الدولة كهف الأمة، وبعث إليه بالخلع والألوية، وكذلك فعل ببدر بن حسنويه ولقبه ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصدقات‏.‏

وفيها‏:‏ هرب أبو عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب، المنتسب إلى جده الطائع، من السجن بدار الخلافة إلى البطيحة، فآواه صاحبها مهذب الدولة، ثم أرسل القادر بالله في أمره فجيء به مضيقاً عليه فاعتقله، ثم هرب من الاعتقال أيضاً فذهب إلى بلاد كيلان فادّعى أنه الطائع لله، فصدقوه وبايعوه وأدوا إليه العشر، وغير ذلك من الحقوق، ثم اتفق مجيء بعضهم إلى بغداد فسألوا عن الأمر فإذا ليس له أصل ولا حقيقة، فرجعوا عنه واضمحل أمره وفسد حاله فانهزم عنهم‏.‏

وحج بالناس فيها أمير المصريين، والخطبة بالحرمين للحاكم العبيدي قبحه الله‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 الخطابي

أبو سليمان حمد، ويقال‏:‏ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المجتهدين المكثرين، له من المصنفات ‏(‏معالم السنن‏)‏ و‏(‏شرح البخاري‏)‏ وغير ذلك‏.‏

وله شعر حسن فمنه قوله‏:‏

ما دمت حياً فدار الناس كلهم * فإنما أنت في دار المداراة

من يدرِ دارى ومن لم يدر سوف يُرى * عما قليل نديماً للندامات

توفي بمدينة بست في ربيع الأول من هذه السنة، قاله ابن خلكان‏.‏

 الحسين بن أحمد بن عبد الله

ابن عبد الرحمن بن بكير بن عبد الله الصيرفي الحافظ المطبق، سمع إسماعيل الصفار وابن السماك والنجاد والخلدي وأبا بكر الشاشي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 372‏)‏

وعنه ابن شاهين والأزهري والتنوخي، وحكى الأزهري‏:‏ أنه دخل عليه وبين يديه أجزاء كبار فجعل إذا ساق إسنادا أورد متنه من حفظه، وإذا سرد متناً ساق إسناده من حفظه‏.‏

قال‏:‏ وفعلت هذا معه مراراً، كل ذلك يورد الحديث إسناداً ومتناً كما في كتابه‏.‏

قال‏:‏ وكان ثقة فحسدوه وتكلموا فيه‏.‏

وحكى الخطيب‏:‏ أن ابن أبي الفوارس اتهمه بأنه يزيد في سماع الشيوخ، ويلحق رجالاً في الأحاديث ويصل المقاطيع‏.‏

توفي في ربيع الأول منها عن إحدى وسبعين سنة‏.‏

 صمصامة الدولة

ابن عضد الدولة صاحب بلاد فارس، خرج عليه ابن عمه أبو نصر بن بختيار فهرب منه ونجا في جماعة من الأكراد، فلما وغلوا به أخذوا ما في خزائنه وحواصله، ولحقه أصحاب ابن بختيار فقتلوه وحملوا رأسه إليه، فلما وضع بين يدي ابن بختيار قال‏:‏ هذه سنة سنها أبوك‏.‏

وكان ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان عمره يوم قتل خمساً وثلاثين سنة، ومدة ملكه منها تسع سنين وأشهر‏.‏

 عبد العزيز بن يوسف الحطان

أبو القاسم، كاتب الإنشاء لعضد الدولة، ثم وزر لابنه بهاء الدولة خمسة أشهر، وكان يقول الشعر، توفي في شعبان منها‏.‏

 محمد بن أحمد

ابن إبراهيم أبو الفتح المعروف بغلام الشنبوذي، كان عالماً بالقراءات وتفسيرها، يقال‏:‏ إنه كان يحفظ خمسين ألف بيت من الشعر، شواهد للقرآن، ومع هذا تكلموا في روايته عن أبي الحسين بن شنبوذ، وأساء الدارقطني القول فيه‏.‏

توفي في صفر منها، وولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 373‏)‏